المساعدات الغذائية الأميركية: الأقربون أولى بالمعروف

بعد أكثر من 60 عاماً على تدشين برنامج الغذاء من أجل السلام، لا تزال المصالح الخاصة تعرقل الإصلاحات الساعية للسماح بمزيد من الاعتماد على المصادر المحلية لتوفير المساعدات الغذائية.

وتقول التقارير الإخبارية أن مالكي السفن الأمريكية المسؤولة عن نقل المساعدات الغذائية يحق لهم الآن الحصول على ملايين الدولارات في صورة إعانات جديدة نتيجة للإصلاح المقترح. وبموجب القانون الحالي، يجب شراء كل المساعدات الغذائية الأمريكية تقريباً - والتي بلغت قيمتها حوالي 1.8 مليار دولار في عام 2014 - من داخل الولايات المتحدة، ويجب نقل نصفها على الأقل على متن سفن ترفع علم الولايات المتحدة، وتزيد تكاليف هذا المزيج بما بين 25 و50 بالمائة عن أسعار السوق المفتوحة.

 ويسعى ملاك السفن الأمريكيون للحصول على تعويض عن انخفاض الإيرادات بسبب التغييرات المقترحة، وفقاً لنشرة تجارية تسمى الشاحن الأمريكي (American Shipper). ويدفع برنامج الأمن البحري (MSP) التابع لحكومة الولايات المتحدة 186 مليون دولار سنوياً إلى ملاك السفن لضمان أن تكون قدرة النقل البحري قابلة للاستمرار في زمن الحرب. ووفقاً للتقرير، يسعى ملاك السفن لزيادة "إعانة" برنامج الأمن البحري إلى 300 مليون دولار.

 وتجدر الإشارة إلى أن شركات الشحن والأعمال الزراعية الأمريكية ظلت لوقت طويل مستفيدة من سياسة المساعدات الغذائية الأميركية، ولحرصها على عدم استبعادها، طالبت لجنة الزراعة في الكونغرس بمعرفة ما يحدث وراء الأبواب المغلقة بين قادة الصناعة ومسؤولي الإغاثة.

 وتوضح أحدث المعلومات التي تم الكشف عنها مدى صعوبة إصلاح نظام المساعدات الغذائية الذي يقول عنه منتقدوه أنه ليس فقط غير فعال، ولكنه أيضاً يأتي بنتائج عكسية.

 "نحن بحاجة لدعم المنتجين (الزراعيين) المحليين والأسواق المحلية، أو على الأقل، عدم تقويضهم،" كما أوضح دانيال ماكسويل، أستاذ ومدير الأبحاث في مركز فاينستين الدولي بجامعة تافتس في ولاية ماساتشوستس.

 وأضاف في تصريح لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أن "الناس بحاجة إلى الأسواق للتعافي من الكوارث، وإذا كانت استجابة (المساعدات) لكارثة ما ستقوض الأسواق، فإن التعافي سيأخذ وقتاً أطول".

 من جانبها، تدعم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، التي تدير برامج المساعدات الأميركية، هذا الإصلاح، لكنها لم تنجح حتى الآن في تمرير كل التغييرات التي من شأنها أن تحررها لكي تقدم المساعدة على نحو أكثر فعالية.

(المصدر: منظمة أوكسفام أمريكا)

(المصدر: منظمة أوكسفام أمريكا)

 "من واقع تجربة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أثبت تنفيذ برامج المساعدات الغذائية باستخدام الأغذية المشتراة محلياً وإقليمياً (LRP) أنه يحقق وفورات في التكاليف والوقت، بالمقارنة مع البرامج التي تستخدم المساعدات الغذائية التي تم شراؤها من الولايات المتحدة، ويدعم البحث الذي أجرته مجموعة متنوعة من المؤسسات في القطاعين العام والخاص هذه التجربة،" كما أخبرت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) في بيان مكتوب.

 وعلى الرغم من ذلك، فإن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لا تستطيع الحصول إلا على ما تسميه موارد "متواضعة" مخصصة للأغذية المشتراة محلياً وإقليمياً، وقسائم الغذاء، والتحويلات النقدية بموجب ما يُسمى برنامج Title II، الذي يغطي معظمه المساعدات المقدمة في حالات الطوارئ.

 ماذا يريد الإصلاحيون؟

وبحسب تقديرات عضوي مجلس الشيوخ بوب كوركر وكريس كونز، اللذين يرعيان التشريع الأمريكي الذي لم يتم البت فيه بعد، يمكن أن يسمح إصلاح المساعدات الغذائية للولايات المتحدة بالوصول إلى ما يقرب من 12 مليون شخص إضافي سنوياً بنفس المبلغ الحالي وبسرعة أكبر، عن طريق تحرير ما يقرب من 440 مليون دولار من خلال زيادة الكفاءة.

 وقالت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية: "في الوقت الذي ينزح فيه ما يقرب من 60 مليون شخص في جميع أنحاء العالم جراء الصراع - وهو أكبر عدد تم تسجيله على الإطلاق - أدت التكاليف المتزايدة بشكل كبير إلى تقليل كمية الطعام التي يتم شراؤها بدولارات برنامج Title II. وهذه الإصلاحات مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى".

من خلال برامج Title II (العام المالي 2004 - 2013)، يُخصص 88٪ من التمويل لشراء ونقل الأغذية. 

من خلال برامج Title II (العام المالي 2004 - 2013)، يُخصص 88٪ من التمويل لشراء ونقل الأغذية. 

 وبين عامي 2004 و2013، تم إنفاق ما لا يقل عن 88 بالمائة من تمويل برنامج Title II على شراء ونقل الأغذية المشتراة من الولايات المتحدة (انظر الرسم البياني). وقد أدى ارتفاع تكلفة شحن السلع من الولايات المتحدة إلى انخفاض حجم المساعدات الغذائية التي تم شحنها بواسطة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بنسبة 64 بالمائة خلال العقد الماضي.

 "كانت هناك إصلاحات، نعم، ولكنها في الحقيقة كانت أصغر من أن يكون لها أي تأثير كبير،" كما أفاد سولومون موتشينا مونيوا، القائم بأعمال مدير مركز التنمية الرعوية والثروة الحيوانية في نيروبي، الذي يُعد جزءاً من الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وهي تجمع لدول شرق أفريقيا.

 وأضاف أن "الولايات المتحدة تدعم الإنتاج الأساسي، في مجالي الزراعة والثروة الحيوانية، ولكن عندما تصل إليك كمية مفاجئة من المواد الغذائية من الخارج، فإن هذا يتعارض مع تلك الجهود والمصالح. إنه تناقض تام".

 أما بالنسبة لمونيوا، فإنه سيكون لمثل هذه الإصلاحات فوائد أخرى مهمة.

وأخبر شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) أنك "إذا خصصت الموارد التي تنفقها على إرسال المساعدات الغذائية لدعم الإنتاج الغذائي (المحلي)، فإن هذا سيعني أنك يمكن أن تخلق فرص عمل مجزية للشباب".

 ولا تزال الجهود المطولة التي تبذلها المنظمات غير الحكومية وبعض المشرعين لإصلاح سياسة المساعدات الغذائية الأمريكية مستمرة.

 "الجانب المتفائل بداخلي يقول أننا أحرزنا تقدماً هائلاً في جعل الناس يدركون أن هذا البرنامج، وهو برنامج بدأ في ستينيات القرن الماضي ويتم تنفيذه في القرن الحادي والعشرين، غير مناسب،" كما قال إريك مونوز، مستشار السياسة في منظمة أوكسفام أمريكا، مضيفاً أن "إدارة أوباما قد بذلت جهداً كبيراً في هذه المعركة. وقد حققنا تقدماً هائلاً الآن من حيث الحديث حوله والاهتمام به من قبل الكونغرس والإدارة، ولكن ما لم نحققه حتى الآن هو تجاوز خط النهاية وتغيير القانون".

 ولكن الإصلاحيين على جانبي الساحة السياسية في الولايات المتحدة لا زالوا يواجهون مقاومة شرسة من ما يشار إليه على أنه "المثلث الحديدي للمصالح الخاصة": شركات الشحن، والأعمال التجارية الزراعية، وفي بعض الحالات، المنظمات غير الحكومية نفسها.

 وأشار مونوز إلى وجود "تصور شائع في الولايات المتحدة أنهم إذا كانوا سيرسلون مساعدات غذائية، يجب أن يستفيد المزارعون الأميركيون، وإذا تم إصلاح المساعدات الغذائية، فإنهم سيخسرون المعركة".

 وأضاف قائلاً: "لكن المساعدات الغذائية تعادل أقل من واحد بالمائة من الصادرات الزراعية الأميركية، ولذلك فحتى لو اتبعنا نظاماً لا نشتري فيه أي سلع من الولايات المتحدة على الإطلاق، فإن هذا لن يؤثر على الصادرات".

 ووفقاً لقانون إصلاح برنامج الغذاء من أجل السلام لعام 2015 - وهو تشريع كروكر وكونز، الذي تدرسه حالياً لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - شكلت المساعدات الغذائية بين عامي 2002 و 2011 أقل من واحد بالمائة من دخل قطاع الشحن الأمريكي و 1.41 بالمائة فقط من دخل القطاع الزراعي.

 وأشار مونوز إلى أن المزارعين وشركات الشحن يعتقدون أنهم يجب أن يستفيدوا من أي برنامج معونة غذائية.

 ولكنه حذر من أن "هذه طريقة غير مناسبة للنظر في منطق تقديم المساعدة في حالات الطوارئ والمساعدات الخارجية، لاسيما المساعدات التي تهدف إلى معالجة انعدام الأمن الغذائي في الأزمات المعقدة مثل سوريا أو جنوب السودان".

 ومن المقرر أن تبدأ مناقشة قانون إصلاح برنامج الغذاء من أجل السلام لعام 2015 الذي يرعاه كوركر وكونز في شهر سبتمبر المقبل.

tl/bp/lr/am/ag-ais/dvh