الحوثيون "يزرعون الألغام في المناطق المدنية"

في الحرب الأهلية اليمنية، المتمردون الحوثيون يرتدون على أعقابهم

وأثناء انسحابهم، يتركون فخاخ الموت وراءهم

 

19 أغسطس، 2015. تقرير وتصوير إيونا كريغ في عدن، اليمن

 

يرقد فايز الأُلفي البالغ من العمر أربع سنوات في مستشفى النقيب بمدينة عدن في جنوب اليمن، ووجهه مصاب بجروح متفرقة ناجمة عن شظايا صغيرة. ويشهد جفناه المنتفخان المغلقان والمتلونان باللون أحمر، والجرح الغائر الذي يمتد بينهما، على الأضرار التي سببها الانفجار، الذي قذف بجزء معدني في مقلة عينه اليمنى.

قبل يومين، كان فايز مسافراً في سيارة مع أسرته عبر خورمكسر، وهي منطقة سكنية في عدن، بعد زيارة عمه. وبالقرب من مركز الشرطة، فجر أحد إطارات السيارة لغماً أرضياً مدفوناً في الرمال. نجت أم فايز وشقيقته من الانفجار الذي مزق السيارة، لكن والده توفي بعد يوم واحد متأثراً بجراحه. ولم يخبر أحد عائلة فايز ما إذا كان الطفل سيُصاب بالعمى الدائم بسبب جراحه، في الوقت الذي لا يملك فيه المستشفى الموارد اللازمة لإزالة الشظايا.

ليس واضحاً ما إذا كان فايز الأُلفي سيكون قادراً على الإبصار مرة أخرى

ليس واضحاً ما إذا كان فايز الأُلفي سيكون قادراً على الإبصار مرة أخرى

في الأسابيع القليلة الماضية، تحول الزخم في الحرب الأهلية في اليمن بشكل جذري. فقد تم إجبار المتمردين الحوثيين القادمين من شمال البلاد والذين سيطروا على العاصمة صنعاء ووسعوا نفوذهم إلى عدن، فجأة على الارتداد على أعقابهم. وقد تراجعوا شمالاً من عدن ويبدو الآن أنهم سيفقدون السيطرة على مدينة تعز التي تقع في وسط البلاد. وقد استفادت القوات الموالية للرئيس المنفي عبد ربه منصور هادي، وكذلك المتمردون الجنوبيون المنحازون له بشكل فضفاض، من وصول قوات وإمدادات من التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية والذي يضم الدول الداعمة لهادي.

واحد من الألغام الصغيرة ذات الصناعة المنزلية التي عثرت عليها فرق نزع الألغام 

واحد من الألغام الصغيرة ذات الصناعة المنزلية التي عثرت عليها فرق نزع الألغام 

ومع انسحاب المقاتلين الحوثيين، جنباً إلى جنب مع الوحدات العسكرية المنشقة الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، تم اتهامهم بترك سلسلة قاتلة من الألغام والعبوات الناسفة والشراك الخداعية.

وقد جمع موظفو مركز برنامج مكافحة الألغام في عدن - وهو واحد فقط من أربعة مرافق لتخزين الألغام المكتشفة في ثلاث محافظات، هي عدن وأبين ولحج - 1,170 لغماً خلال الفترة من 13 يوليو إلى 10 أغسطس، وكشفوا ما يقرب من 120 لغماً في يوم واحد في إحدى الضواحي الغربية بالمدينة.

ونظراً لعدد العبوات التي تم اكتشافها حتى الآن، يُقدر المشاركون في إزالتها أن هناك حوالي 150,000 لغم مزروع في هذه المحافظات الثلاث وحدها. وبالمعدل الحالي، وبالنظر إلى قدرة فرق إزالة الألغام المتضائلة وسوء التجهيز ونقص التمويل، سوف تستغرق إزالة كافة العبوات الناسفة والألغام ما بين خمس وثماني سنوات.

ومنذ أن بدأ مسؤولو الصحة الإحصاء في منتصف يوليو، لقي 98 شخصاً مصرعهم وأُصيب 332 آخرين في عدن وأبين ولحج بسبب الألغام.

ويقول اسكندر يوسف، الذي شارك في إزالة الألغام في جنوب اليمن لأكثر من 25 عاماً، أن المهمة الحالية التي تواجه المركز أصعب بكثير من أي شيء تصدى له من قبل.

"في عام 1994، تم رسم خرائط لحقول الألغام القديمة من قبل الجيش حتى نعرف أماكن جميع الألغام. ولكنها الآن منتشرة في كل مكان؛ في المناطق السكنية، وبين المنازل، وعلى الطرق. نحن لا نعرف أماكنها،" كما قال يوسف، في إشارة الى الحرب الأهلية الأخيرة بين شمال اليمن وجنوبه في تسعينيات القرن الماضي.

من جانبه، يرسم مدير عام مركز التدريب على إزالة الألغام في المدينة، العقيد صلاح عبد الله عمر، صورة قاتمة للناجين من انفجارات الألغام.

 مركبة من دولة الإمارات العربية المتحدة دمرها انفجار لغم أرضي في منطقة المدينة الخضراء في عدن، اليمن

 

مركبة من دولة الإمارات العربية المتحدة دمرها انفجار لغم أرضي في منطقة المدينة الخضراء في عدن، اليمن

"صُنع بعضها للتسبب في إعاقة وليس القتل ... لأنك إذا كنت جريحاً ستعاني إلى الأبد. وهذا يجعل اللغم أقل إنسانية،" كما أوضح.

وقد تكيف أولئك الذين يزرعون العبوات الناسفة مع وصول عشرات الدبابات والعربات التي يُفترض أنها مقاومة للألغام والتي تستخدمها قوات من دولة الإمارات العربية المتحدة في عملية السهم الذهبي التي تقودها المملكة العربية السعودية.

وقال قائد فريق برنامج مكافحة الألغام، الشيخ زيد ثابت، وهو يقلب الصور التي توضح الذخائر التي تم اكتشافها مؤخراً في أبين على هاتفه المحمول: "نحن نسميها هامبرغر".

"هناك ثلاثة أو أربعة ألغام مدفونة أولاً. ثم قذيفة هاون فوقها وثلاثة أو أربعة ألغام أخرى فوق ذلك،" كما أوضح.

الشيخ زيد ثابت، رئيس برنامج مكافحة الألغام في عدن، يقف وسط بعض الألغام الأرضية التي عثرت عليها الفرق التابعة له منذ منتصف يوليو

الشيخ زيد ثابت، رئيس برنامج مكافحة الألغام في عدن، يقف وسط بعض الألغام الأرضية التي عثرت عليها الفرق التابعة له منذ منتصف يوليو

وقد رفض مسؤولون حوثيون الاستجابة لطلبات التعليق على هذه المزاعم.

مشكلة متزايدة

وبين عامي 2000 و2012، خسر فريق إزالة الألغام في عدن ستة رجال. وفي السنة التالية للحرب بين القاعدة والجيش اليمني في أبين في عامي 2011 و2012 مات سبعة خبراء إزالة ألغام. وفي الشهر الماضي وحده، قُتل ثمانية منهم.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم الألغام التي تم العثور عليها حتى الآن سوفيتية الصنع، والباقي محلي الصنع من نفس التصميم الذي استخدمه تنظيم القاعدة هنا في عام 2012.

وقد لقي بعض سكان عدن مصرعهم أيضاً جراء الشراك الخداعية المزروعة في منازلهم وسياراتهم، وهي غالباً ما تأخذ شكل قنابل يدوية مجهزة بحيث يتم نزع مسامير الأمان عند فتح الباب.

ويكافح رجال ثابت للتصدي للمهمة الضخمة التي تنتظرهم. وقد تم نهب مركبات الفريق أو تدميرها، مما اضطر أفراد إزالة الألغام لاقتراض السيارات من السكان المحليين أو أفراد أُسرهم. وليس لديهم حتى ما يكفي من البطاريات لتشغيل أجهزة الكشف عن المعادن الخاصة بهم. وعادة ما يأتي التمويل والإمدادات من العاصمة صنعاء - ولكنها الآن تحت سيطرة الحوثيين.

في الوقت نفسه، تواصل أعداد القتلى، أو المشوهين مثل فايز، ارتفاعها جراء انفجار الألغام وعدم قدرة نظام الرعاية الصحية المنهار على تلبية احتياجات علاجهم.

"هذه قضية إنسانية ضخمة. إنها أكبر منا بكثير، فالعديد من المدنيين يلقون حتفهم. نحن نبذل قصارى جهدنا لوقف المزيد من الوفيات، ولكنه ليس كافياً،" كما أفاد ثابت وهو يتلقى مكالمة من فريقه في لودر، شمال أبين. الساعة لم تتجاوز الحادية عشرة صباحاً بعد، ورجاله يبلغونه أنهم اكتشفوا بالفعل أكثر من 100 لغم في صباح ذلك اليوم.

إحدى غرف التخزين في عدن حيث جمعت فرق إزالة الألغام أكثر من ألف لغم سوفيتي وأمريكي ومحلي الصنع. ومن المقرر تدمير هذا المخزون بواسطة تفجير يتم التحكم به

إحدى غرف التخزين في عدن حيث جمعت فرق إزالة الألغام أكثر من ألف لغم سوفيتي وأمريكي ومحلي الصنع. ومن المقرر تدمير هذا المخزون بواسطة تفجير يتم التحكم به